الساعة التاسعة صباحا في برج مكتبي بالرياض. يرن جرس الإنذار في تجربة إخلاء مفاجئة، فيقف بعض الموظفين في أماكنهم لا يعرفون أي درج يسلكون، ويعود آخرون لأخذ حواسيبهم، ويتجه ثالث إلى المصعد. لا حريق هناك، لكن الدقائق الأولى كشفت ما لا تكشفه الأوراق: خطة الطوارئ موجودة في الملفات، وليست في أذهان الناس.

هذا المشهد هو ما تحاول الشراكات الجديدة في قطاع السلامة معالجته. فقد أعلن المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية توقيع مذكرة تفاهم مع مركز الملك عبدالله المالي (كافد)، أحد أكبر تجمعات المكاتب في الرياض.

ماذا تتضمن المذكرة؟

بحسب إعلان المجلس، تقوم المذكرة على خمسة محاور: تبادل الخبرات وأفضل الممارسات في السلامة والصحة المهنية، ودعم المبادرات التوعوية لترسيخ الثقافة الوقائية، وتنمية القدرات عبر برامج تدريبية وورش عمل ولقاءات متخصصة، واستكشاف الحلول التقنية والتطبيقات الذكية، وتبادل الملاحظات والدروس المستفادة لرفع كفاءة إدارة المخاطر.

الرسالة الأهم هنا أن السلامة المهنية لم تعد شأن المصانع ومواقع البناء وحدها. البرج المكتبي بيئة عمل كاملة، فيها آلاف الموظفين ومطاعم ومواقف ومصاعد وأنظمة كهرباء وتكييف، وأي خلل فيها يمس عددا كبيرا من الناس في وقت واحد.

ما الذي تقوله الأرقام الرسمية؟

نشرت الهيئة العامة للإحصاء في أبريل 2026 إحصاءات الصحة والسلامة في بيئة العمل لعام 2025، وفيها أرقام تهم أي جهة عمل:

  • معدل الإصابات المهنية غير المميتة 245 إصابة لكل مئة ألف عامل، والمميتة 1.3 لكل مئة ألف عامل، دون حوادث الطرق.
  • مؤشر الوعي بالمخاطر بين العاملين بلغ 76.7%.
  • 51.8% فقط من العاملين أفادوا بتوفر تدابير وقائية في بيئة عملهم.
  • 25.3% يقفون أربع ساعات أو أكثر يوميا، و16.7% يعانون الإرهاق أو ضغط العمل الزائد.
  • 6% أفادوا بضغط نفسي مرتبط بالعمل خلال الاثني عشر شهرا الماضية.
رسم بالأرقام لإحصاءات السلامة في بيئة العمل 2025: 245 إصابة غير مميتة و1.3 مميتة لكل مئة ألف عامل، و51.8% يرون تدابير وقائية، و76.7% مؤشر الوعي
رسم بالأرقام لإحصاءات السلامة في بيئة العمل 2025: 245 إصابة غير مميتة و1.3 مميتة لكل مئة ألف عامل، و51.8% يرون تدابير وقائية، و76.7% مؤشر الوعي

الفجوة بين الوعي والتطبيق واضحة: أغلب العاملين يدركون المخاطر، لكن نحو نصفهم فقط يرون تدابير وقائية فعلية حولهم. وهذه الفجوة هي بالضبط ما يسد بالتدريب والإجراءات اليومية، لا بالملصقات.

مخاطر المكاتب التي يغفل عنها كثيرون

لا تشبه مخاطر المكتب مخاطر المصنع، لكنها حقيقية:

  • الطوارئ والإخلاء: مخارج مسدودة بالصناديق، وأبواب حريق مفتوحة دائما، وموظفون لم يشاركوا في تجربة إخلاء قط.
  • الكهرباء: وصلات متتالية تحت المكاتب، وشواحن تالفة، وأجهزة تعمل طوال الليل.
  • الانزلاق والتعثر: أرضيات مبللة قرب المطابخ، وكابلات ممدودة في الممرات.
  • بيئة العمل الجسدية: جلوس طويل، وشاشات في ارتفاع خاطئ، وإجهاد للعين والظهر.
  • الضغط النفسي: ساعات طويلة ومواعيد متلاحقة، وهو ما تعكسه نسبة الإرهاق في الأرقام أعلاه.
موظفة بعباءة وحجاب تضبط ارتفاع شاشتها على مكتب قابل للتعديل بينما يقف زميلها بثوب وشماغ حاملا حاسوبه في مكتب مفتوح يطل على أبراج الرياض
ضبط الشاشة والمكتب خطوة صغيرة تخفف إجهاد العين والظهر

خطوات عملية لجهة العمل

  1. عين مسؤولا واضحا: شخص في كل طابق أو قسم يعرف خطة الطوارئ ويقود الإخلاء.
  2. جرب الإخلاء فعلا: تجربة دورية تقيس الوقت وتكشف المخارج المسدودة والسلوك الخاطئ.
  3. افحص المكان بقائمة ثابتة: المخارج والطفايات والكهرباء والأرضيات، كل شهر بالأسلوب نفسه.
  4. سجل الحوادث الصغيرة: الانزلاق الذي لم يصب أحدا اليوم قد يصيب غدا.
  5. درب الموظفين لا المسؤول وحده: السلامة سلوك جماعي، والتدريب القصير المتكرر أنفع من محاضرة سنوية واحدة.
  6. انتبه لبيئة العمل الجسدية: كراسي قابلة للضبط، وشاشات بمستوى العين، وفترات حركة قصيرة.

أخطاء شائعة

  • الاكتفاء بخطة طوارئ مكتوبة لم يقرأها أحد.
  • اعتبار السلامة مسؤولية إدارة المبنى وحدها، بينما للمستأجر التزاماته تجاه موظفيه.
  • نسيان الموظفين الجدد في التوعية والتدريب.
  • التعامل مع الضغط النفسي كأمر شخصي لا علاقة له بتنظيم العمل.

وفي الحالات الخاصة أو الأسئلة النظامية الدقيقة، الأفضل الرجوع إلى المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مباشرة.

كيف يساعد التدريب؟

إن كانت جهة عملك تريد بناء أساس معرفي لدى موظفيها، فباقة السلامة المهنية في معهد مهارات المستقبل تجمع ثلاثة برامج متخصصة في تسجيل واحد، تقدم عن بعد، ويحصل المتدرب بعدها على شهادة إتمام. المعهد مرخص من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. والباقة تبني المعرفة والسلوك الوقائي، أما ترخيص ممارسي السلامة فيصدره المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية وفق اشتراطاته. التفاصيل في صفحة الباقة.

المصادر